السيد كمال الحيدري
41
اللباب في تفسير الكتاب
العامّة ، ولا ريب أنّ الإنسان معه شئ شأنه هذا الشأن . إذن العقل يُطلَق على الإدراك من حيث إنّ فيه عقد القلب بالتصديق على ما جبل الله سبحانه الإنسان عليه من إدراك الحقّ والباطل في النظريّات ، والخير والشرّ والمنافع والمضارّ في العمليّات ، حيث خلقه الله سبحانه خلقة يدرك نفسه في أوّل وجوده ، ثمّ جهّزه بحواسّ ظاهرة يدرك بها ظواهر الأشياء ، وبأخرى باطنة يدرك معاني روحية بها ترتبط نفسه مع الأشياء الخارجة عنها كالإرادة والحبّ والبغض والرجاء والخوف ونحو ذلك . ثمّ يتصرّف فيها بالترتيب والتفصيل والتخصيص والتعميم ، فيقضى فيها في النظريّات والأمور الخارجة عن مرحلة العمل قضاءً نظريّاً ، وفى العمليّات والأمور المربوطة بالعمل قضاءً عمليّاً ، كلّ ذلك جرياً على المجرى الذي تشخّصه له فطرته الأصليّة ، وهذا هو العقل . إذا اتّضح ذلك نقول : إنّ الحياة الإنسانيّة قائمة على أساس الإدراك والفكر ، ولازم ذلك أنّ الفكر كلّما كان أصحّ وأتمّ كانت الحياة أقوم . وقد دعا القرآن إلى الفكر الصحيح وترويج طرق العلم في آيات كثيرة وبطرق وأساليب متنوّعة . ولم يعيّن في الكتاب العزيز هذا الفكر الصحيح القيّم الذي يندب إليه ، إلّا أنّه أحال فيه إلى ما يعرفه الناس بحسب عقولهم الفطريّة وإدراكهم المركوز في نفوسهم ، ولو تتبّعتَ الكتاب الإلهى ثمّ تدبّرتَ في آياته وجدتَ ما قد يزيد على ثلاثمائة آية تتضمّن دعوة الناس إلى التفكّر أو التذكّر أو التعقّل ، أو تلقّن النبىّ صلّى الله عليه وآله الحجّة لإثبات حقّ أو لإبطال باطل ، أو تحكى الحجّة عن أنبيائه وأوليائه كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء العظام ، ولقمان ومؤمن آل فرعون وغيرهما . بل لم يأمر الله تعالى عباده في كتابه ولا في آية واحدة أن يؤمنوا به أو بشئ ممّا هو من عنده أو يسلكوا سبيلًا وهم عُمى